Untitled Document
الكاتب الراوي
-
Member
محبة الرسول.
من يحب الرسول فعلا عليه أن يوحد الله قولا وعملا. إذ لا يمكن لمسلم عاقل يقرأ القرآن متفهماً أياته عارفاً حقيقة الإسلام, إلا أن يحب الله ورسوله معاً, ولكن من غير اشراك الرسول مع الله, مدركاً أن الذي يطيع الرسول بإطاعة ما أتى به من وحي سماوي, إنما تكون طاعته لله تعالى وحده لا شريك له في الأمر أو التحليل أو التحريم أو الشفاعة أو الهدي أو الحديث.
لأن القرآن الكريم لم يصل إلى الناس إلا من خلال الرسول محمد عليه الصلاة والسلام, وما بلغه بأمانة مطلقة ساعده سبحانه عليها وعصمه عن شياطين الإنس والجن خلال فترة التبليغ بدليل قول الله تعالى :
(يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ان الله لا يهدي القوم الكافرين ) المائدة 67
لكن الفرق كبير بين أن نحب الله تعالى ونطيع ما أمر به في كتابه المبين, ونحن نعلم سلفاً ما بذله رسوله من جهد جهيد في تبليغ رسالة ربه من وحي كريم, مقدرين ومدركين سلفاً أن الرسل جميعاً ما هم إلا وسطاء ومبلغين لوحي الله تعالى, ومن بعد التبليغ عليهم دور تطبيق ذلك الوحي الذي فيه الشرع والحكم نظاماً على الناس بحسب تدبرهم وفهمهم مع ما يتطابق من ذلك الوحي على زمانهم ومكانهم. وبين أن نجعل مع طاعة الله تعالى طاعة خاصة لرسوله الكريم جاعلين له الحق في التحليل والتحريم مع الله تعالى, والحق في الشفاعة إشراكا بالله, ونجعل له سنة خاصة به مع سنة الله, ونؤمن بوجود حديث له مع حديث الله, رغم إنكار الله تعالى لكل ذلك في آيات القرآن البينات, مبدلين شرع الله تعالى الذي أتانا وفيه مصلحة الأمة الإسلامية إلى شرع آخر مناقض له لمصلحة الأقلية المتنفذة في الأمة التي يسميها سبحانه بالملأ في آيات القرآن الكريم.
والقرآن نور من الله ومن علمه فهو سبحانه الذي أعلن للمسلمين عندما قال :
(6 فباي حديث بعد الله واياته يؤمنون ) الجاثية
(يا أيها الناس قد جائكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبينا) النساء 174
ومن أمثلة هذا النور ما ورد في كتاب الله جواباً لكل مشايخ السلاطين من الذين يرددون صباح مساء في كل المساجد الإسلامية (إن أحسن الهدي هدي محمد), وهم يقصدون به السنة النبوية أو الحديث النبوي, دون أن يعلنوا للناس ما يعلمون بطلانه لتناقضه مع كتاب الله المبين, ودون أن يقولوا للناس لمصلحة من بدلوا كتاب الله تماماً كما أخفى أهل الكتاب سابقاً كتاب الله ونوره الحقيقي وأظهروا للناس محرفاتهم بدلا عن الوحي الذي نزل على رسلهم.
إن القرآن هو النور الوحيد الذي نزل على رسولنا وليس معه نور أخر ليبلغه إن كنا نحب معرفة الحقيقية ولا نهوى مع الحقيقة شيئاً آخر, إذ يقول سبحانه وتعالى :
(فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) التغابن 8
وآيات القرآن مبينات مفصلات أحسن التفصيل لا تحتاج إلى نور إضافي, فالشمس في وضح النهار لا يمكن أن نزيد نورها بكل المشاعل وبكل ما أبدع الإنسان من وسائل الإضائة في الأرض. وكذلك كتابه لا يحتاج إلى نور من عباده المرسلين الذين كلفوا بالتبليغ فقط وليس لهم من أمر الله وأمر الدين وأمر الشرع الإللهي شيء, بدليل قوله تعالى :
(وما على الرسول إلا البلاغ) 99 المائدة
(ليس لك من الأمر شيء) 128 آل عمران
(قل إن الأمر كله لله) آل عمران 154
(لله الأمر من قبل ومن بعد) الروم 4
(ولله غيب السموات والأرض إليه يرجع الأمر كله) هود 123
(بل لله الأمر جميعاً) الرعد 31
وماذا عن موضوع الهداية, فهل لمحمد بعد كل هذا هدي خاص اسمه هدي محمد؟ ويقصد به وحي آخر مع وحي القرآن ونوره ؟
إن الله تعالى هو الذي يقرر حقيقة ذلك بقوله المبين :
(إن علينا للهدى * وإن لنا للآخرة والأولى) الليل 11-12
كما يقول سبحانه :
(وكفى بربك هادياً ونصيراً) الفرقان 31
وآيات نفي الهداية عن غير الله كثيرة في القرآن, منها ماجاء بشكل مباشر حيث نجد قوله سبحانه :
(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) القصص 56
ولكنا إذا قرأنا بعد ذلك آية تقول :
(وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) الشورى 52
يجب أن نعلم أنه لم يكن مع الرسول الكريم ليهدي به الناس إلا نور الله الذي أتى به وحياً من ربه الكريم, ليهدي به إلى صراط مستقيم. أما قبل ذلك الوحي السماوي فإن رسولنا نفسه كان أمياً ضالاً هداه الله بعدها كما يقول سبحانه :
(ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالا فهدى) الضحى 6-7
ولو كان الرسول الكريم عالماً بالنحو والبلاغة والبيان قبل الرسالة لشك المبطلون :
(وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطة بيمينك إذاً لارتاب المبطلون) العنكبوت 48
وبما أن التبيان كله في القرآن يقول سبحانه مبينا ذلك للعالمين :
(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) النحل 89
والبيان والتبين لا يكون إلا بآيات الله البينات لذلك يقول سبحانه :
(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) القيامة 16-19
ومعنى كلمة مبين التي تأت صفة لأسماء مثل : ثعبان مبين – عدو مبين – كفور مبين , بمعنى حقيقي مثل قوله تعالى :
(انى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ) الدخان 13
بينما قول الله تعالى في وصفه للقرآن بأنه بيان للناس يختلف عما سبق كما في قوله تعالى :
(هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) آل عمران 138
والرسول عليه تطبيق ما أنزل إليه من وحي مفصل ومبين من ربه الرحيم :
(انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ) النساء 105
والذي يقوله فقهاء السلاطين بوجود وحي آخر شفهي هو مجرد ادعاء لخدمة ولي أمرهم, الذي لم يعجبه شرع الله الذي منعه من التسلط على عباد الله وأكل حقوقهم ظلما وتجبراً كما يشاء, فبدله بالتدريج, كما بدل الذين من قبلهم :
(فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ) البقرة 59
وهذا حدث في كل الأديان لكن الله تعالى لا يقرهم على ما فعلوه بدليل قوله سبحانه :
( لا تبديل لكلمات الله ) يونس 64
والذي يستبدل القرآن بإفتراءات ينسبها للرسول الكريم لتشكل كتباً من صنع البشر هو مثل الذي يستبدل الخير ويأتي بأدنى منه, لذلك يسألهم الرحمن منكراً ذلك في قوله :
(قال اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير ) البقرة 61
ولن يفعل ذلك عاقل أبداً. بل يكون إما كافراً أو مشركاً إذا بدل كلام الله تعالى الذي يحوي الحق بآخر لا حق فيه, وكتاب الله المعجز حامل الخيرات لا يبدل بكتب لا خير فيها ولا إعجاز, كما يقول سبحانه :
( ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل ) البقرة 108
لذلك كله يجب أن نعلم أن الله وحده من خلال كتابه المبين يهدي للحق وحده لا شرك له في الهداية
قل الله يهدي للحق) يونس 35
والناس عادة يشركون بتأثير من الملأ الذين هم أهل المال والسلطة والجاه في الإمة جهلا وإضلالا على أيد فقهاء متخصصين مأ جورين : (قل هل من شركائكم من يهدي الى الحق ) فيأتي جواب هذا التساؤل كما رأينا في نفس الآية (قل الله يهدي للحق) يونس 35
ثم يفاجئ سبحانه الإنسان بسؤال جديد مباشرة بعد تقرير حق الهدي للرحمن وحده, والسؤال موجه لعقل الإنسان ومنطقه وليس لما يحب ويهوى :
( افمن يهدي الى الحق احق ان يتبع امن لا يهدي الا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون ) يونس 35
الحقيقة أن تلك الآية جواب لكل المسلمين الضالين عن هدي الله إلى غيره, وعن كتاب الله إلى كتب أخرى, بإتباع هدي خاص لا وجود له إلا عند مشايخ السلاطين, والتي تم افتراؤها بنائاً على توصياته وتحقيقاً لمصالحه الدنيوية ليتمرغ في متع الدنيا ظهراً لبطن.
إن القرآن فقط هو الذي يهدي للأفضلِ والأحسنِ والأقومِ في الإسلام الصحيح :
(ان هذا القران يهدي للتي هي اقوم ) الإسراء 9
والله تعالى إذا تتبعنا آيات القرآن نجده ينكر الهداية على رسوله إذا فكرنا أن للرسول الكريم هدي خاص مفصول عن هدي الله الموجود في القرآن إذ يقول سبحانه :
(ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) البقرة 272
ولكنا إذا فهمنا أن هدي الرسول الكريم هو ما أتى به من الرحمن من كتاب عندها يختلف المفهوم ويعلم أن ذلك كان حتى يستطيع الرسول أن يهدي بذلك النور إلى صراط مستقيم : وهذا معنى قوله تعالى :
(وانك لتهدي الى صراط مستقيم ) الشورى 52
لذلك إذا قرأنا الآية القرآنية بعد كل هذا البيان السابق :
( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) النحل 44
نفهم أن الرسول الكريم ليس معه شيء خاص به إلا كتاب الله ليبينه للناس فالبيان كله في القرآن وحده, كما يقول سبحانه :
( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) النحل 89
وآيات القرآن آيات بينات بذاتها :
(ولقد انزلنا اليك ايات بينات وما يكفر بها الا الفاسقون ) البقرة 99
إذاً مجرد ابلاغ النص للناس هو تبين لما أنزل الله, لكن فقهاء السلاطين الذين يخفون هذه الحقيقة عن الناس لمصلحة السطان ويقولون على الله غير الحق, ويدّعون بوجود كتاب مع كتاب الله يلعنهم رب العالمين قائلاً :
(ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) البقرة 159
وآيات الله مبينات, كما يقول تعالى :
(لقد انزلنا ايات مبينات والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم ) النور 46
وآيات الطلاق مثلاً أيات مبينات لا تحتاج إلى آيات أخرى لتبينها :
(رسولا يتلو عليكم ايات الله مبينات ليخرج الذين امنوا وعملوا الصالحات من الظلمات الى النور ) الطلاق 11
وآيات الله وكتابه المبين لا تحتاج إلى تفصيل إضافي من أحد من خلق الله, فمن معجزات الله في كتابه أن كل إنسان يعرف اللغة العربية يستطيع أن يفهم من كتاب الله بقدر علمه وبقدر حاجته من المعرفة, وهذا طبعاً على درجات بحسب علم الأفراد وإختلاف ثقافاتهم :
(ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون ) الأعراف 52
والذين يحتاجون إلى تلك التفاصيل هم أهل العلم (من الذين يعلمون) كما يقول سبحانه :
( قد فصلنا الايات لقوم يعلمون ) الأنعام 97
وكذلك للذين يفقهون ما يقرأون إلى قوله :
( قد فصلنا الايات لقوم يفقهون ) الأنعام 98
ولقوم يتلون كتاب الله ويذكرون مواعظ الله تعالى في كتابه المبين حيث يقول سبحانه :
(قد فصلنا الايات لقوم يذكرون ) الأنعام 126
وسنة الله تعالى في رسله أن يأتيهم بالآيات مفصلات من كل شيء, كما قال تعالى :
(ثم اتينا موسى الكتاب تماما على الذي احسن وتفصيلا لكل شيء ) الأنعام 154
لكن الله تعالى لا يرسل كل كتبه مبينات بذاتها. فقد قال عن القرآن أنه كتاب مبين بذاته لا يحتاج إلى أي كتاب آخر ليستبين به أبداً كما يبدأ سورة الحجر بقوله تعالى :
(الر تلك ايات الكتاب وقران مبين ) الحجر 1
( ان هو الا ذكر وقران مبين ) يس 69
(وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) الزخرف 2-3
لكن وضع أهل الكتاب وشرعهم يختلف عن ذلك اختلاف بيناً, فهم ملزمون بكل ما أنزل سبحانه على رسلهم جميعاً لذلك يقول سبحانه :
(قل يا اهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والانجيل وما انزل اليكم من ربكم ) المائدة 68
ومن أجل هذا يقول سبحانه عن كتاب موسى وهارون :
(واتيناهما الكتاب المستبين ) الصافات 117
علماً أن في تتمة الآية (86) من سورة المائدة نجد تنبؤاً من الرحمن بما سيفعله كثير من رجال دين أهل الكتاب بما أنزل الله على رسول الإسلام حيث يقرر ذلك سبحانه بقوله :
(وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) المائدة 68
لذلك وكما قلت مراراً عندما يقراء المسلم آيات القرآن مثل الآية التالية :
(انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ) النساء 105
يجب أن لا يتبادر إلى ذهنه أن ربه قد أرى أو أنزل على رسوله غير القرآن, فيؤمن مع فقهاء أهل السلطة من الطواغيت بكتب أخرى غير القرآن الكريم. يجب أن يعلم سلفاً بأن كل من يؤمن بكل تلك الكتب الضالة قد ضل عن السبيل الصحيح ونال غضب الله تعالى إلى يوم الدين وأصبح على سبل الشيطان كائن من كان.
ويجب أن نعلم أنه لا يوجد اليوم على سطح هذه الكرة الأرضية كتاب لا ريب فيه وأنه من رب العالمين, ويحتوي على آيات ونصوص قطعية الثبوت لا ظن فيها وقطعية الدلالة لا شك فيها, إلا كتابٌ واحدٌ ثبت ببرهان من الله العلي العظيم, بالعلم الرياضي المجرد الذي لا يستطيع إنكاره عالم حقيقي ألا وهو القرآن العظيم.
قد يجد المسلم في ذلك الركام الهائل, بعض الأحاديث التي مازالت تقول الحق لكنها ضاعت مع الأسف بين الأحاديث المفترات بالآلاف, فإذا بحث باحث في صحيح البخاري ومسلم وجد الحديث التالي, عن أبي سعيد الخدري (رض) أنه سمع رسول الله تعالى يقول : "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه". وهذا أمر من الرسول يجب اتباعه من كل مسلم لأنه يتماشى أيضاً مع منهج الله تعالى.
والدليل الذي يثبت صحة هذا الأمر, ما نجده أيضاً في تلك الأحاديث من حديث عن أبي بكر الصديق, هذه المرة برواية إبنته عائشة (رض) عنهما : روى الحاكم بسنده عن القاسم ابن محمد عن عائشة (رض) عنها قالت : “جمع أبي الحديث عن رسول الله وكان خمس مائة حديث فبات يتقلب كثيراً فلما أصبح قال : “أي بنية, هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فحرقها". عن كتاب تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي ص 5 طبع الهند.
لا يمكن لأبي بكر الصديق (رض) أن يحرق أحاديث الرسول الكريم إلا تنفيذاً لأمر واجب الطاعة من رسوله الكريم ومُلزمٌ للتنفيذ لا محال.
كما نجد الحديث التالي أيضاً بين ركام الأحاديث :
(عن كتاب تقييد العلم ص 34) : روي عن أبي هريرة أنه قال : خرج علينا رسول الله, ونحن نكتب الأحاديث فقال : “ماهذا الذي تكتبون ؟" قلنا أحاديث نسمعها منك. قال : “أكتاب غير كتاب الله ؟ أتدرون ؟ ما ضلت الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا غير كتاب الله".
وجدت في تاريخ البداية والنهاية لإبن كثير الدمشقي, عن رواية أخرى في خطبة للرسول الكريم في حجة الوداع قبل وفاته قول الرسول الكريم التالي : “ أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا أبداً, كتاب الله فاعملوا به" المجلد الثالث الجزء الخامس, ص 179. طبع دار الريان للتراث القاهرة 1988. دون ذكر السنة أو العترة أو حديث خاص بالرسول.
وآخر ما نتطرق إليه في هذا الموضوع هو إشراك أهل السنة الرسول الكريم بالشفاعة رغم علم المسلمين جميعاً أن سبب إشراك أهل مكة القدماء كان بسبب الإشراك بالله تعالى بالشفاعة لغير الله وليس كما يظن بعض الجهلة أنهم كانوا من الوثنيين يعبدون الأصنام, بدليل آيات الله تعالى التي تقرر حقيقة إيمانهم بالله في القرآن الكريم مع إشراكهم :
(ولئن سالتهم من خلق السماوات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فانى يؤفكون ) العنكبوت 61
(ولئن سالتهم من نزل من السماء ماء فاحيا به الارض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل اكثرهم لا يعقلون ) العنكبوت 63
والله تعالى في تلك الآية لا يقرر أن أكثرهم لا يعقلون لأنهم لا يعرفون جواب ما سألهم الرسول الكريم وإنما لإشراكهم بالله بعد معرفتهم بتلك الحقيقة, ومن هنا يأت ظلم المشرك لنفسه بترك التوحيد الذي فيه مصلحته :
(ولئن سالتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله قل الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون ) لقمان 25
(ولئن سالتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله قل افرايتم ما تدعون من دون الله ان ارادني الله بضر هل هن كاشفات ضره او ارادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ) الزمر 38
ونفس السؤال الذي طرحه الرسول من خلال القرآن على أهل مكة الذين كانوا يظنون أن الملائكة من الإناث والله تعالى يفضلهن من أجل تلك الميزة, فكانوا يتقربون إلى الله زلفى بدعائهم لتلك الملائكة وتقديم الأضاحي لها.
نفس السؤال إذا عدنا نحن اليوم وطرحناه على المسلمين الذين يستنجدون بالأتقياء والصالحين تقرباً إلى الله تعالى وطلباً لشفاعتهم, فهل يستطيع أي رسول من رسل الله أو أحد من خلقه أن يكشف ضراً عن عبد شاء الله أن يضره وهل يستطيع أي رسول أو أحد من خلقه أن يمسك رحمة شائها الله لعبد من عباده فيمنعها عنه.
والجواب من القرآن واضح لا مجال لبيانه أو تبيانه من أحد, نجده في آيتين بالإضافة إلى آية الزمر السابقة شاهدتين من الله تعالى على صدق الإتجاه في التوحيد للرحمن وحده تقول الآية الأولى من سورة فاطر :
(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ) فاطر 2
كما تقول الآية الثانية نفس الشيء مؤكدة على صدق الله في طلب التوحيد من جميع عباده في سورة الملك :
(امن هذا الذي يرزقكم ان امسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور ) الملك 21
من خلال هذه الآيات وحدها يجب أن يقتنع المسلم بأن الشفاعة لله وحده لا شريك له فيها, حتى قبل أن يقرأ آيات الشفاعة في القرآن التي تقرر جميعها أن الشفاعة لله تعالى وحده, وقد قالها سبحانه لرسوله حتى يبلغها للناس عند إنذارهم بأنه لا شفيع لهم يوم القيامة إلا الرحمن الرحيم :
(وانذر به الذين يخافون ان يحشروا الى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ) الأنعام 51
وهذا هو مطلق الحق والمنطق, لأنه لا يعقل أصلاً أن يكون أحد عباد الله أرحم بعباد الله من أرحم الرحمين, إلا إذا أحببنا الإشراك وفضلناه على التوحيد.
لذلك فكل من يدعو مع الله غيره فإنه يدعو من ليس بيده أن يضره أو أن ينفعه كما يقول سبحانه :
(قل اندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ) الأنعام 71
والنفس شفيعها هو عملها في الحياة الدنيا, أما الدعاء فإنه لن يغير شيئاً خاصة إذا كان ذلك الدعاء لشفيع غير الله تعالى, وقد أمر سبحانه أن يبلغ الناس :
(وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ) الأنعام 70
والرسول الكريم كان يعلم الحقيقة, بدليل أننا نجد ما يؤيد ذلك في كتب الحديث التي تحوي مثل جعبة الحاوي كل شيء ونقيضه, فيه الحق والباطل معاً وليس من السهولة بمكان الفصل بينهما من جديد.
فالحديث رقم 206 المسلسل 351 من صحيح مسلم عن أبي هريرة يقول : قال رسول الله حين أنزل الله عليه : (وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء 26.
"يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله. لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا عباس ابن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً. يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً. يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت (في الدنيا). لا أغني عنك من الله شيئاً (في الآخرة) “.
لذلك نجد الله تعالى يعظنا جميعاً في القرآن الكريم قائلاً سبحانه :
(يا ايها الذين امنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) البقرة 254
وحتى لا يفكر المسلم بموضوع الشفاعة مرة أخرى وتلتبس عليه الأمور إن حاول شيطان من شياطين الإنس أن يجعله يشرك بالله بالشفاعة من جديد يقول سبحانه في كتابه المبين :
(قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والارض ثم اليه ترجعون ) الزمر 44
إن تجنب طاعة الطواغيت هي الأساس في التوحيد الإسلامي, وهذا لم يتم لنا إلا بهجر كل كتب فقهاء الدين التي دفع ثمنها الطواغيت من بيت مال المسلمين, والعودة إلى كتابنا المهجور القرآن العظيم, الذي لا كتاب في الأرض أعظم منه أبداً.
وبذلك نكون قد عدنا إلى نور الله تعالى, وتمسكنا بحبله المتين, وأطعنا رسولنا الذي أمرنا في حجة الوداع أن لا نترك كتاب الله, ولم يقل يومها كتابي أو سنتي أو حديثي أو عترتي أبداً. فالرسول الكريم هو من أفضل الموحدين هو وصحابته الكرام, خاصة الأربع الراشدون وخامسهم الوحيد الذي استرشد بهم وهو عمر بن عبد العزيز الأموي (رض) عنهم جميعاً من بين كل السلاطين.
وبعودتنا من الإشراك الحالي إلى التوحيد مع تجنب كتب الطواغيت كلها, سوف تتبدل ظروفنا وتتوحد صفوفنا مع توحد كلمتنا, وسوف يهابنا عدونا, ويتقرب محاولاً كسب ودنا وصداقتنا, فنعيش في نعيم الدارين : دار الدنيا معززين مكرمين بفضل الله تعالى ونعمه, وفي الآخرة نجد أجورنا تنتظرنا في جنة الرضوان, كما يؤكد ذلك سبحانه بقوله :
(وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله اكبر ذلك هو الفوز العظيم ) التوبة 72
صدق الله العظيم وصدق رسوله المبلغ الأمين.
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
قوانين المنتدى